2217155391851958.

الطائرة الورقيّة...


عندما اقتربت الحرب منّي للمرة الأولى، كان الموقف مهولاً.. أحسست نفسي على سفينة في وسط محيط هائج ممتلئ بالجثث الميتة.. تطاردني و تطلب مني سبباً:

لِمَ بقيتِ أنتِ هنا فيما أكل القرش يدي؟

كيف تقبلين حياتك و طفلي خرج و لم يعد؟

ماالذي دفعتهِ قرباناً أنا دفعتُ عينيّ؟

أتُسَّميِّنَ الغربةَ كربة؟ أنا أسمي الوطن المقسّمَ غربة؟

من وقتها والأيام تمضي متشابهة.. الجثث الطافيّة في الماء تقترب مني و تحاول لمسي.. وفيما أحاول الهرب إلى أيامي المتشابهات.. ظهر هو على طائرة ورقيّة.. علي آخر نمط للرجال تخيلت التعلق به.. سألني إن أردت هجر السفينة، ورؤية المكان من فوق..

-من فوق؟

-أجل شاهدي الصورة كلها من فوق.. من المكان الذي ينظر منه الله…

-استغفر الله…

-افهميني الله عادلٌ جداً.. أليس كذلك؟

قلتُ: نعم

-طيب.. افهميني لماذا يحدث كلّ هذا الخراب، ما السبب و ما الحكمة؟

-لا أعرف..

-تعالي و سأخبرك…

رحلتُ معه فوق الطائرة الورقيّة.. شاهدتُ البحر يبتعد و يصغر، ليصبح كأس ماء صغير مليء بالجثث نقطاً رماديّة.. قلت في نفسي: سنشرب هذا الماء يوماً..

أجل.. ستتشكل أجسادنا من أجساد من رحلوا.. هم يبقون هنا فينا.. في الروح ذكرى و في الجسد حياة.

طرتُ فوق البلدان كلها.. سمعت أصوات بكاء.. ضحك.. صراخ.. تهليلات فرح و أشجان حزن…

سمعت غيبةً.. نميمةً.. سمعت تشجيعاً.. ثناء..

طرت فوق أماكن الرقص.. دور العبادة.. المدارس و الملاهي…

طرت فوق المطارات شاهدت الملايين يرحلون، و الملايين يعودون..

سمعت أُولى صرخات المواليد.. و آخر كلمات الوصايا…

كان المشهد كاملاً و مهيباً.. و عندما التفت إلى الكتفين العاجيين ل علي ..

لم يكن هناك.. و استيقظت.

من "من المكان الذي ينظر منه الله- عليّ السوريّ: الجزء الثاني 9-"

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=620550&fbclid=IwAR0MOD7YeDl26GieaBQl28rmgS7vDtZUi2p8NE6EJdXLndaR3iGjJmJxn6M


Featured Review
Tag Cloud
No tags yet.